World

ابن القذافي ما زال حيا ويريد أن يستعيد ليبيا

قبل عشر من محاولة الفرار . المسلّحون السيارات ليجدوا رجلًا صغير السنّ تغطي الضماداتُ يدَه . رأوا وجهًا كان دائم الظهور على شاشات التلفزيون . سيف الإسلام القذافي، الابن لديكتاتور ليبيا سيء السّمعة وأحد الأهداف الرئيسية .

. المهندم ونظّارته الطبية وطلاقته الحديث باللغة يبدو مختلفًا عن أبيه الذي بمظهره المبهرج وطباعه . درس سيف الإسلام في “كلية لندن للاقتصاد” وتحدّث لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان. صداقات مع علماء سياسة وحاضَرَ الشباب التربية المدنية، حتى إن بعض أصدقائه الغرب اعتبروه المُنقِذ المنتَظر .

عندما قامت الثورة، سارع الإسلام بالانضمام إلى حملة القمع الغاشمة التي أطلقها نظام . كان من السهل على الثوار الذين انتصروا بعد تسعة أشهر يكافئوه بالإعدام دون محاكمة مثلما فعلوا أبيه وعدد من كبار المسئولين بالدولة، ولحسن حظه، وقع أسيرًا كتيبة ذات توجّه مستقل حمته من الفصائل مدينة „الزنتان“، موطنها في الجبال جنوب غربي العاصمة. كان مطلوبًا أيضًا للمحكمة الدولية، فقد اعتُبر رهينةً . أسيرًا لدى الزنتانيين حتى انتخابات 2012.

وفي . الاتّجار بالبشر، مما تسبب إرسال عدد كبير المهاجرين إلى أوروبا عبر البحر الأبيض . وأسّس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام „داعش“ خلافةً مصغّرة على الساحل الليبي. .

في . Kredit. . . تصوير جهاد لصحيفة النيويورك تايمز

في . سائق السيارة يُدعى سالم قد تحدثتُ معه من قبل دون أن ألتقيه . كثيرٌ من التوتر، فقد عامين ونصف المقابلة مع سيف الإسلام، وخلال هذه تحدثتُ معه عدة عبر . الآن أتساءل عن الصوت كنت أسمعه على الطرف الآخر من . فلم يحدث أن التقاه أي صحافي أجنبي منذ عشر . وقد أخبرتني منظمة “هيومان رايتس ووتش” أنه لا يوجد دليل على أن سيف الإسلام حيٌّ منذ عام 2014. الأشخاص الذين قابلتُهم في قالوا إنهم لا يعرفون إن كان حيًّا أم .

في شهر رمضان، وكادت العاصمة تخلو من الناس . لم نمرّ على أي من نقاط التفتيش التي توقعتُ المرور بها ونحن نغادر المدينة باتجاه الجنوب الغربي نحو جبل „نفوسة“. وبعد ساعتين تقريبًا، صعدنا ببطء وسط قمم بنية داكنة حتى وصلنا إلى هضبة „الزنتان“. أطراف إحدى القرى، أوقف السيارة وطلب مني أنا والمصوّر الذي يرافقني، جهاد نجا، .

يمض وقتٌ طويل حتى خلفنا سيارةٌ طراز تويوتا كروزر، وخرج منها يرتدي ثوبًا ناصع . طَلب منا أن نترك هواتفنا في سيارة سالم. سيارة لاند كروزر مصفّحة أبواب ثقيلة جدًّا حتى إنها حجبت جميع الأصوات من . السائق نفسه بأنه محمد، قاد السيارة بكلمة طابقين تبدو عليها . فتح محمد الباب الأمامي، ودلفتُ عبر مدخلٍ خافت .

تقدّم نحوي رجل ومدّ يده قائلًا: „مرحبا!“

يكن لديّ شكٌ في سيف الإسلام، ملامحه بدت سنًّا وكست وجهه طويلةٌ غزاها . اليمنى وسبّابتها مبتورين – نتيجة في إحدى الغارات 2011 حدّ . يرتدي عباءة سوداء خليجية تزيّنها أهدابٌ رئيس دولة، ووشاحًا ملفوفًا بشكلٍ مهندمٍ حول . أن سيف الإسلام ورث واحدًا فقط عن أبيه، فهو أسلوبه . إلى قاعةٍ جلسنا فيها أرائك جديدة بلونٍ مائلٍ إلى . مظاهر الترف والبهرجة على القاعة، بسجّادها السميك وثريّاتها الكريستالية وستائرها . تنافر واضح مع هذه عُلّقت على الجدار لوحةٌ بها صورة جبال وإحدى بحيرات . لم يكن في المنزل أحدٌ غيرنا.

مرت . أن المقاتلين الذين اعتقلوه عشر سنوات من وهْم الثورة وأدركوا في نهاية أنه قد يكون قويًّا . ارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يصف تحوّله من أسير إلى أمير منتظر، فقال: „هل لك أن تتخيل؟ الرجال الذين كانوا حرّاسي هم الآن أصدقائي. ”

استغلّ سيف الإسلام غيابه عن الساحة في مراقبة الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط والعمل بهدوء على إعادة تنظيم القوة السياسية التابعة لأبيه والمعروفة باسم „الحركة الخضراء“. تحفّظه بشأن الحديث عن ترشّحه للرئاسة، أن الحركة يقودها بإمكانها أن للبلاد وحدتها . والحقيقة أن الشعار الذي اختاره لحملته نجح في العديد من الدول، بما فيها دولتنا، وهو: السياسيون . حان وقت العودة إلى الماضي. : „لقد اغتصبوا بلادنا . ليس لدينا مالٌ ولا أمنٌ ولا حياة. إذا ذهبتَ إلى محطة الوقود، فلن تجد وقودًا. نحن نصدّر النفط والغاز إلى إيطاليا – نحن نضيء نصف إيطاليا ونعاني نحن من انقطاع الكهرباء. ما يحدث تخطّى حدود الفشل. إنه مهزلة. ”

مرور عشر سنوات على النشوة التي صاحبت الثورة، يتفق معظم الليبيين مع هذه . ففي طرابلس، تحتل أسراب النورس “الفندق الكبير” الذي لم يكتمل بناؤه، والذي يتخذ شكل كتلة رمادية عملاقة من الطوب الإسمنتي والرافعات المطلّة على المحيط. واحدٌ من . بعض أمراء الحرب في طائلة من النفط يوميًّا إلى . آثار ثقوب الرصاص في وغيرها من شاهدًا على دارت رحاها على متقطع على مدار عقد .

تنعم ليبيا في الوقت الحالي بحالة من السلام. الأسابيع الثلاثة التي قضيتُها كنتُ أتجولُ غرب البلاد خوف من مواجهة قتال هنا أو . إنني رأيتُ بعض مظاهر مع انتشار الرسمية في وحدوث انخفاض ملحوظ حوادث الاختطاف . الفضل في ذلك إلى كبير للجهود توسّطوا في شهر أكبر فصيلين . المقرر أن تُعقد انتخابات ورئاسية جديدة في شهر .

يخشى كثيرٌ من الليبيين من أن هذا السلام لن . ستار الوحدة الوطنية، لا ليبيا منقسمة يخضع أحدهما، الجزء الشرقي، لسيطرة العسكري المتسلط خليفة . أما زعماء الجزء الغربي، فليس لديهم “ولو مثقال ذرة من الثقة” في حفتر، حسبما أخبرني خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا. غير المرجح أن تنجح في رأب البلاد إلى .

رغم اختفاء سيف الإسلامعن . المحادثات التي أسفرت عن الحكومة الليبية لمؤيديه بالمشاركة، بمهارة إلى الآن إلغاء شروط للانتخابات كانت ستحول بينه وبين . وتشير بيانات استطلاعات الرأي المحدودة في ليبيا إلى أن قطاعًا عريضًا من الليبيين – بنسبة 57 بالمائة في منطقة واحدة – قد عبّروا عن „ثقتهم“ بسيف الإسلام. قيل إن أحد 30 (في محاولة ليست الأولى لاغتياله)، فيما اعتُبر دليلًا .

شعبية سيف الإسلام من الحنين إلى وهو شعور انتشارًا في ليبيا وفي المنطقة . في تونس، التي الربيع أواخر . يكن قد مرّ على إلى ليبيا استراحةً على أحد معمر . إفطار أحد الأيام في رمضان، سألتُ في أوائل من العمر عمن لرئاسة ليبيا، فذكر ثلاثة منهم اسم سيف . أخبرتني محامية ليبية أن غير الرسمي العام يشير أن ثمانية أو من كل عشرة سيصوّتون لسيف .

لا . هذا الفوز بالترحيب أيضًا الكرملين أصحاب في منطقة الشرق مؤثرًا في . وقد أخبرني دبلوماسي أوروبي ذو خبرة طويلة في الشأن الليبي: „يعتقد الروس أن سيف الإسلام قد يفوز“. الواضح أن أطرافًا خارجية تدعم سيف الإسلام، لكنه تكتَّم حول الحديث عن هذه . السنوات الأخيرة، كانت ليبيا حرب بالوكالة القوى الخارجية بينها مصر وروسيا والإمارات العربية . يظل من الصعب تحديد تأثير تلك الدول على . أما في حالة الولايات المتحدة، التي قادت حملة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي أطاحت بمعمر القذافي، ستسبب عودة أسرة القذافي إلى الحكم حرجًا لها على أقل .

يواجه سيف الإسلام أيضًا عقبة كبرى خارج ليبيا، فهو مطلوب الجنائية الدولية خلفية ارتكابه ضد الإنسانية، بسبب دوره في قمع المعارضين الزنتان”، وانتهت المحاكمة بإدانته والحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص. (يحق له استئناف الحكم بموجب القانون الليبي). سيف الإسلام أنه واثق قدرته على المسائل القانونية اختارته أغلبية الشعب ليكون قائدًا .

يستمد سيف الإسلام ميزة سياسية من اسمه، وميزة أخرى من الواقع بأن عددًا كبيرًا من الليبيين أن ابن معمر القذافي – نفس الابن الذي توعّدهم في خطابه عام 2011 بسيل “أنهار من الدماء” – هو أطهر مرشّحي الرئاسة يدًا. المتنافسين السياسيين الآخرين وضعوا موضع الشبهات باستغلال نفوذهم لتحقيق مكاسب شخصية مع البلطجية حملة السلاح الذين اعتُبروا يوم أبطال .

كثيرٌ من الليبيين أن سيف الإسلام إلى إغلاق الباب على عقد ضاع لا يعرفون على وجه الذي يحمله . ولطالما كان سيف الإسلام لغزًا محيّرًا. علّق الناس في الداخل والخارج آمالهم عليه لأنه كان يُعتبر وريث القذافي، وهي فكرة عزّزها بنفسه عندما أسّس مجموعة إعلامية أطلق اسم . ومع أنه لم يكن يشغل منصبًا رسميًّا ضمن نظام القذافي، دلّل والده على أهميته بتفويضه للتوسط نزاعات دبلوماسية رفيعة من بينها قضية التعويضات التي دفعتها عن تفجير رحلة „بان آم 103“ فوق مدينة „لوكربي“ في اسكتلندا عام 1988. وربما لسيف الإسلام دورٌ أيضًا قرار أبيه بالتخلّص من أسلحة الدمار الشامل في .

في كلية لندن للاقتصاد، تقرّب سيف المفكّرين الذين اعتبروه صادقًا في رغبته بتحقيق إصلاح . 2005، دعا منظمة “هيومان رايتس ووتش” ليبيا لزيارة المكان الذي شهد مذبحة في أحد . أقنع والده بإطلاق سراح السياسيين، ودعا علنًا إلى إصلاح السجون وإلى نظام حكم . . عندما سأله موظف الكونغرس عن أكثر شيء تحتاجه ليبيا، أجاب: „الديمقراطية“.

موظف الكونغرس يدرك أن الليبي يروّج لنفسه أنه نظام ديمقراطي، فظنّ أنه أخطأ .

سأله مجددًا: „ليبيا تحتاج مزيدًا من الديمقراطية؟“

أجاب سيف الإسلام: „كلا؛ مزيد من الديمقراطية يوحي بأن لدينا بعضًا منها. ”

في ليبيا، أطاح المتشددون المحيطون بأبيه بأفكاره الديمقراطية، ودأب منتقدوه على تسميته „سيف الأحلام“. وكان الانغماس في الملذات أحد طباعه؛ يقتني زوجًا من النمور وتواترت الأنباء المترفة بأعياد في سان تروبيه رحلات الصيد التي يقوم بها في أوروبا . يتصارع على السلطة مع الخمسة، وتحديدًا شقيقه المعتصم الذي كان قائدًا . يبدو، في بعض الأحيان، ومشتتًا بين الشرق والغرب لا يعرف كيف يفي بتوقعات .

رغم ذلك، لم يكن هناك من الإسلام للتوسط من تسوية نظام أبيه نظام القذافي لدفع حركة الإصلاح . .

2010، . يشعر بخيبة الأمل والإحباط بطء وتيرة نظام أبيه، فانسحب إلى منزله المترف لندن مترددًا بشأن إلى . .

أخبرني سيف عن شعوره بالخوف على ليبيا في الأيام الأولى بعد عودته، فقال: „حذّرتُ الجميع ‘أسرعوا الخطى في مشاريع الإسكان وفي الإصلاحات الاقتصادية، لأنكم تعرفون سيحدث في المستقبل. ’ لإجهاض أي مؤامرة ضد ليبيا، جئتُ إلى بنغازي وقلت: ‘علينا أن نُسرع الخطى. ’ غير أن عناصر عدّة داخل الحكومة كانت تعمل جاهدةً ضدي. ”

فبراير . بعض الليبيين الذين أعرفهم هذا الخطاب سيكون لحظة انتصار . أن يعلن سيف الإسلام أبيه إيذانًا ببدء عهد جديد من الإصلاحات .

بدلًا من ذلك، أدار أجهزة التلفاز وضعية متهدّلة أمام رأسه . كان يرتدي بدلة وربطة عنق باللون الأسود. بدا منزعجًا تمامًا، يتدلى ذقنه حتى كاد يلمس . استهل كلامه بوصف الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي بأنها „عاصفة ديمقراطية“ كان يتوقعها. لكنه انتقل إلى وصف الاحتجاجات في ليبيا، التي كانت قد بدأت قبل ثلاثة أيام بمظاهرة في مدينة “بنغازي”، بأنها صنيعةُ المجرمين ومتعاطي المخدرات. سيف الإسلام الليبيين في باستغلال الأحداث وحذّر من ليبيا ليست تونس طبيعتها القبلية قد تفككها بسهولة إلى دويلات . بحدوث حرب أهلية، واختراق البلاد، وحدوث هجرة جماعية، وبأن ليبيا ستصبح معقلًا للجماعات .

استطرد سيف الإسلام في خطابه: „سيتم حرق وتدمير كل شيء في ليبيا، وسنحتاج إلى حتى نتفق على إدارة البلاد، واحد منا سينصّب نفسه رئيسًا، وسينصّب من منطقته . ”

سرعان ما هذا الخطاب الكارثي . في بنغازي بعد إلقاء مباشرةً، ووصف الذين أعرفهم الخطاب بأنه سقوط الأقنعة، هذا هو الوجه لسيف . الكثيرون أنه كان يتحدث النظام وأنه أطلق تهديدًا حقيقيًّا بشن . معارفه القدامى في الغرب، نأوا بأنفسهم افترضوا أنه هذا الخطاب تحت مسدس مصوّب إلى . ودفع آخرون، ممن تحصّلوا على أموال من مؤسساته، الثمن، من بينهم رئيس “كلية لندن للاقتصاد” الذي استقال من منصبه في شهر مارس من العام .

يمكن . الإسلام، الذي كان على طويل مع المتشددين، لم يكن في موقف يؤهله للتهديد . كان يدرك أكثر من طبيعة نظام القذافي وأنه نظام هشّ . التقيته في مايو، أخبرني ألقى الخطاب قصير من أبيه، وفي رأيي الخطاب كان العامل لتحوّله . سيف فخورًا بخطابه وقال أغلب ما تنبّأ به قد تحقق .

سيف الإسلام أن إدارة باراك أوباما، القذافي، هي يتحمل مسئولية الدمار الذي حلّ . وربما يكون محقًّا في ذلك. فعندما اندلعت الانتفاضة الليبية، واجه الأمريكيون نفس السؤال الذي واجهوه لاحقًا مع سوريا: هل يجدر بك تدمير دولة إذا كنت لا ترغب بتحمل عبء إعادة بنائها؟ في حالة سوريا، كانت الإجابة بالنفي. في ليبيا، فقد اتُّخذ بدعم حملة تحت ضغوط هائلة في الوقت الذي حذر دعاة حقوق الإنسان من مذبحة وشيكة (استنادًا إلى أدلة مختلف على صحتها). الجوية . السنة الأخيرة من رئاسة أقرّ بأن ارتكبه أثناء توليه الرئاسة كان غياب لمرحلة ما بعد في .

يزال الخلاف قائمًا حول أوباما الأوّلي بالتدخل في . القصف الجوي لقوات الناتو ليبيا، بدأت إطلاق النيران، المتمردين أصروا على أي هدنة قبل تنحّي . لم يتنحَ القذافي، ولم يكن سيف الإسلام مستعدًا .

قال سيف عن المتمردين: „كان العالم بأسره يقف معهم. ” لم يكونوا بحاجة للتوصل إلى تسوية. استشعرتُ حسرةً في صوته عندما سألتُه عن زملائه القدامى مثل محمود جبريل، الذي ضمّه سيف الإسلام إلى الحكومة عام 2007 بوصفه إصلاحيًّا والذي أصبح لاحقًا رئيس الوزراء في المجلس الانتقالي عام 2011. تحدّث حديثًا مبهمًا عن النفاق، وقال إن وسائل الإعلام العربية شيطنت نظام القذافي إلى درجة جعلت من المستحيل إقامة حوار بين الجانبين. قال إن المتمردين عقدوا العزم على تدمير الدولة، وأن أي مجتمع قبلي مثل ليبيا يضيع بدون دولة. ثم أضاف: “ما حدث في ليبيا لم يكن ثورة. يمكنك أن تسميها حربًا أهلية أو أيام شؤم، لكنها لم تكن ثورة. ”

وصف سيف الإسلام ربيع وصيف 2011 بمسلسل من الأزمات السريالية. في البداية، كان يزور أبيه كل يوم تقريبًا في خيمة منصوبة على الأرض في “باب العزيزية”، وهو مجمّع مترامي الأطراف تحيط به أسوار عالية كان مقرًّا للقذافي. كان يلتقي بين الحين والحين ببعض العاملين في الصحف الأجنبية ممن كانوا يحتمون في أحد الفنادق في طرابلس. يقول سيف إنه تلقى اتصالات هاتفية من زعماء أجانب كانوا يعتبرونه على الأرجح وسيطًا بينهم وبين أبيه. أخبرني أن أحد المتصلين المعتادين كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قال عنه: “في البداية كان في صفّنا ضد التدخل الغربي، ثم بدأ يقنعني بمغادرة البلاد”. أضاف أن أردوغان وصف الانتفاضات بأنها مؤامرة خارجية تُحاك منذ زمن بعيد. أما سيف الإسلام فيرى أن حرب 2011 قد انبثقت عن التقاء توترات داخلية كانت تعتمل منذ وقت طويل مع أطراف خارجية انتهازية، من بينهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. وأضاف: “كانت عدّة أمور تحدث في آن واحد. زوبعة عارمة. ”

أخبرني أنه شارك في القتال لفترة وجيزة في “باب العزيزية” عندما حاصر المتمردون طرابلس في أغسطس 2011. ويقال إن آخر ظهور له كان لتحميس المؤيدين وتوزيع الأسلحة في حي أبو سليم في طرابلس. بعدها فرّ إلى بلدة “بني وليد”، معقل النظام في المنطقة الجنوبية الشرقية، وبقي هناك حتى منتصف أكتوبر عندما أودت الضربة الجوية التي شنها الناتو بحياة 22 شخصًا من أتباعه وأصابته في يده اليمنى. فرّ أولًا إلى مدينة “سرت” ومنها إلى وادٍ صحراوي، بإصابة يده التي كانت تزداد سوءًا طوال هذا الوقت. استطاع التواصل مع عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات في نظام أبيه، واتفقا على أن يلتقيا في المثلث الحدودي الجنوبي بين ليبيا والجزائر والنيجر. وبينما كان في طريقه إلى هناك، ألقى مقاتلو “الزنتان” القبض عليه. وصلت بعض الصور التي ظهر فيها ذليلًا إلى الصحافة؛ منها صورة يجلس فيها على كرسي ويده ملفوفة بضمادات بيضاء بينما يحيط به المقاتلون المنتصرون؛ وصورة داخل مروحية سوفيتية الصنع في طريقها إلى “الزنتان”، وبعدها اختفى تمامًا.

قال سيف الإسلام إنه لم يكن على اتصال بالعالم الخارجي خلال السنوات الأولى من اعتقاله، وأنه قضى بعض هذه الفترة في مكان أشبه بالكهف، وهي غرفة تحت الأرض شُقّت وسط الصحراء أسفل منزل في بلدة “الزنتان”. لم يكن بالغرفة أي نوافذ، ولم يكن يميّز الليل عن النهار أغلب الوقت. كان وحيدًا تمامًا، وأدرك أنه قد يموت في أي لحظة، فازداد إيمانًا. وذات يوم في مطلع عام 2014، تلقى زيارةً غيرت مجرى حياته. اندفع رجلان من كتيبة الزنتان إلى غرفته الصغيرة. بدا عليهما الغضب والانزعاج وأرادا التحدث.

شارك هذان الرجلان في حركة التمرد ضد القذافي، لكن وحدة الثوار لم يعد لها مكان الآن. كان لأحدهما ابن أصيب بطلقة في رأسه أثناء تبادل إطلاق النار مع ميليشيا منافسة من مدينة “مصراتة” على ساحل البحر المتوسط. أعرب الرجلان عن شعورهما بالحسرة، ولم يكن هذا الشعور نابعًا من خسارتهما الشخصية فحسب. وقفا محنيَّي الظهور داخل الغرفة – التي كانت تتسع بالكاد لثلاثتهم – وأخذا يسبّان الثورة ويقولان إنها كانت غلطة وإن سيف الإسلام وأباه كانا محقّين.

قال سيف إنه ظل يستمع إليهما وهو يشعر بأن شيئًا ما يتغيّر. كانت الثورة تلتهم أبناءها. في النهاية، سيشعر الليبيون بإحباط شديد لدرجة أنهم سينظرون إلى الماضي ويشعرون بالحنين إلى عهد القذافي. وهذا بدوره قد يهيئ له الفرصة ليستعيد كل ما فقده.

صَدَق حدسُ سيف الإسلام، إذ كانت ليبيا على مشارف مرحلة انتقالية حاسمة. استمرت فترة الأمل التي أعقبت الثورة حتى صيف عام 2012، عندما أجرت ليبيا انتخابات اعتُبرت حرة ونزيهة إلى حدٍّ ما. لكن في وقت لاحق من العام نفسه، تفاقمت الاغتيالات وحوادث الاختطاف، وانقلب المتمردون بعضهم على بعض، وبدأ الجهاديون الذين اغتالوا ستيفنز في ترويع أهالي بنغازي. وفي عام 2013، ساعد زعماء الفصائل في مدينة “مصراتة” – الذين نصّبوا أنفسهم حماة الثورة – في إقرار تدابير قانونية قضت بإقصاء منافسيهم خارج الحكومة. وبحلول منتصف العام التالي، عندما زار الرجلان سيف الإسلام في غرفته – كانت البلاد في طريقها نحو حرب أهلية. وسرعان ما ظهرت حكومتان متناحرتان، ثم ثلاث حكومات. وخلْف المجموعات السياسية الرسمية كانت هناك مئات الفصائل المسلحة بولاءات وعداوات دائمة التغير.

لا يزال هذا الوضع قائمًا اليوم في ليبيا. فالميليشيات المحلية هي القوة العسكرية الأكثر نفوذًا في الدولة ولديها سلطة فيتو غير معلنة. عندما كنت في طرابلس في شهر مايو، استولت جماعة من الميليشيا على فندق في وسط المدينة يتخذه عدد من كبار المسئولين الحكوميين مقرًا لهم، إثر خلاف على رئاسة جهاز المخابرات. أعقب ذلك اجتماع محتدم كان من الممكن أن يؤدي إلى تجدد أعمال القتال. فعجز الحكومة وغياب نفوذها يسببان حرجًا دائمًا لكثير من الشخصيات العامة في ليبيا. وصل الأمر أن أغلب المسئولين يتفادون استخدام كلمة ميليشيا لأن هذه الجماعات المسلحة تفضّل كلمة “كتائب”. يقول خالد المشري: “نظريًّا، تتبع الميليشيات وزارتي الداخلية والدفاع، لكنها في الواقع ليست كذلك. ”

من بين السياسيين الليبيين، لفت الأنظار شخصٌ معروفٌ بمواقفه الحازمة تجاه الميليشيات وهو أحد خصوم سيف المحتملين في الانتخابات الرئاسية. إنه فتحي باشاغا، طيار حربي سابق يبلغ من العمر 58 عامًا، شغل منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني من عام 2018 وحتى العام الماضي. يعتبر الكثيرون باشاغا شخصًا كفؤًا نزيهًا، وقد نال إعجاب الكثيرين أثناء رحلاته إلى واشنطن والعواصم الأوروبية عام 2019 لطلب الدعم في قطع مصادر التمويل عن قادة الميليشيات الأشد خطرًا. كما قاد الجهود لبناء جهاز شرطة جديد في إطار مبادرة تهدف إلى إنشاء مؤسسات وطنية بحقّ. وهذا العام، عندما ذاعت أنباء عدم انتخابه رئيسًا للوزراء في الحكومة الانتقالية الجديدة، أطلقت بعض الميليشيات الألعاب النارية احتفالًا بالخبر.

ذات ليلة من شهر مايو، التقيتُ باشاغا – وهو رجل طويل القامة أشيب الشعر ذو مظهر رصين – في أحد الفنادق في مسقط رأسه “مصراتة”. عندما سألتُه عن مساعيه لنزع سلاح الميليشيات، قال إن هذه المسألة تتصدر قائمة أولوياته. تحدّث عن نظام لتصنيف هذه الجماعات: أفراد الفئة الخضراء يمكن تعيينهم في الأجهزة الأمنية الحكومية، وأفراد الفئة البرتقالية يحتاجون إلى إعادة التدريب، أما أفراد الفئة الحمراء فهم مجرمون يجب القبض عليهم. من الواضح أنه ردد هذه الجملة مرات عديدة. كان يعمل على حملته الانتخابية عندما قابلتُه، وسافر إلى أوروبا بعد ذلك لحشد الدعم لترشحه للرئاسة.

لكن مواقف باشاغا – في المنصب وخارجه – أوضحت مدى صعوبة التحرّر من قبضة الميليشيات. فهو مدين سياسيًّا لجماعات مسلحة ذات نفوذ في “مصراتة”. ورغم استعداده لمواجهة ميليشيات طرابلس، يرى كثيرون أنه قد لا يتخذ نفس الموقف داخل بلدته. في العام الماضي، أوقفه فايز السرّاج، رئيس الوزراء في حكومة الوفاق الوطني، عن العمل على خلفية استخدامه العنف مع المتظاهرين. وعندما عاد باشاغا – الذي كان خارج البلاد آنذاك – إلى العاصمة، خرج في استقباله حشد كبير من مقاتلي الميليشيا في “مصراتة”. فهم رئيس الوزراء الرسالة وأعاده على الفور إلى منصبه. وهذا السلوك هو الذي جعل باشاغا لا يحظى بأي شعبية بين الليبيين في المدن الأخرى الذين طالما استهجنوا أساليب العنف التي ينتهجها في “مصراتة”.

الخصم الآخر أمام سيف الإسلام هو خليفة حفتر الذي يسيطر على معظم شرق ليبيا. شارك حفتر، وهو قائد عسكري مخضرم يبلغ من العمر 77 عامًا، عريض المنكبين ممتلئ الوجه، في انقلاب عام 1969 الذي وضع معمّر القذافي على سدّة الحكم. انفصل حفتر عن القذافي في وقت لاحق، وانتقل، بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إلى الولايات المتحدة حيث قضى عقدين من الزمان في شمال فرجينيا. وعاد حفتر إلى ليبيا ليشارك في الثورة عام 2011. وفي عام 2014، أطلق “عملية الكرامة” حيث قدّم نفسه على أنه وطنيّ قادرٌ على تطهير ليبيا من الميليشيات. بدأ عمله في شرق البلاد بالتركيز على الجماعات الإسلامية المتطرفة التي زاد نفوذها هناك. لكن طموحاته كانت أكبر من ذلك، وسرعان ما دبّ الخلاف بينه وبين الحكومة المنتخبة في طرابلس والميليشيات التي تدعمها. بدأ حفتر في الحصول على الأسلحة والدعم من بعض الممولين الخارجيين الذين راق لهم نهجه الحازم، ومنهم مصر وفرنسا وروسيا والإمارات، ونجح في استعادة النظام في شرق ليبيا، وإن كان نظامًا قمعيًّا أوتوقراطيًّا.

وفي ربيع 2019، اتخذ حفتر قرارًا أنزل الويل بالشعب الليبي، وشوّه سمعة حفتر نفسه، وعزّز مساعي سيف الإسلام للعودة إلى السلطة. فقد اقتحمت قواته المسلحة العربية الليبية غرب البلاد واستولت على حقول النفط والقواعد الجوية ودفعت الأموال للخصوم. يبدو أن حفتر ومؤيديه قد ظنوا أن تفوقه العسكري – بترسانة أسلحته من دبابات ومروحيات مقاتلة وطائرات مسيّرة حديثة – سيتيح له الاستيلاء على العاصمة وفرض سطوته على الدولة بالكامل، تمهيدًا لإجراء انتخابات تمنحه الشرعية (بعد إزاحة الخصوم مثل سيف الإسلام من طريقه). لكن اتضح أنه استهان كثيرًا بقوة وصمود الميليشيا في غرب ليبيا، وأنه نسي أن ميزة التفوق في حرب المدن تكمن دائمًا مع المدافعين.

التقيتُ أحد الرجال الذين بدّدوا حلم حفتر. إنه يوسف بن لامين، 50 عامًا، أحد قدامى المقاتلين في الميليشيا، وهو رجل قوي البنية رأسه مستدير أصلع وعضلات ساعديه مفتولة وله لحية شعثاء. أخبرني أنه لم يصدق أن حفتر سيخاطر بشن هجوم على العاصمة إلى أن بدأ رنين هاتفه معلنًا أن جيش حفتر يتجه شمالًا نحو طرابلس. استدعى بن لامين رجاله، وقبل مرور وقت طويل كانوا في طريقهم من “مصراتة” باتجاه الغرب ضمن موكب من شاحنات النقل الصغيرة. عندما وصلوا ضاحية “عين زارة” جنوب طرابلس، كانت قوات حفتر قد وصلت لتوّها. تجمّع آلاف من عناصر الميليشيا في طرابلس للدفاع عنها. لم يكن أحد يعرف من هو المسئول في ظل هذا الوضع، ولم يكن أيّ منهم على دراية بالمنطقة. أخبرني بن لامين أنه وجد نفسه واقفًا على بعد خطوات من مقاتل لم يكن يعرفه.

نادى عليه قائلًا: “مع من تكون؟”

نظر إليه المقاتل، وأدرك كلّ واحد منهما أنه يواجه عدوه. رفع المقاتل الآخر بندقيته وصوبها نحو بن لامين، ولكنه خطا خطوة إلى الوراء وتعثر فاختل توازن بندقيته. قال بن لامين: “عندما أطلق الرصاصة، لم تقتلني بل أصابت ساقي. ” وسرعان ما فتح رفاقه المصراتيين النار على المقاتل وأردوه قتيلًا.

في اليوم نفسه، استيقظ أهالي المنطقة ليجدوا أن حفتر قد حوّل طرابلس وضواحيها إلى منطقة حرب جديدة. أخبرني عمر أبو عبيد، وهو مزارع وتاجر من “عين زارة”، أنه كان في منزله عندما سمع هدير السيارات الضخمة على مسافة قريبة. توجّه إلى الطريق ورأى طابورًا طويلًا من الشاحنات المصفحة والدبابات المتجهة شمالًا. كان قد سمع شائعات بأن حفتر قد يشن هجومًا لكنه لم يصدقها.

قال أبو عبيد: “أعدنا الأبناء من خارج المنزل وأغلقنا متاجرنا”. كان يظن أن جيش حفتر سيواصل طريقه إلى طرابلس، لكن سرعان ما بدأ الجنود بالاستيلاء على المنازل وبناء التحصينات. كانت رحى الحرب تدور على عتبة داره. قضى عمر وشقيقه عبد المعلا سنوات في بناء منازلهم وزراعة بستان من أشجار النخيل. كانت الأم والأشقاء يعيشون في منزل مجاور، والأسرة تمتلك مخبزًا قريبًا ومتجرًا لبيع مواد ومعدات البناء. أرسل عمر وشقيقه أسرتيهما إلى مكان آمن في طرابلس وبقيا في البلدة لحماية بيوتهما. وبعد نحو أسبوعين، أجبرهما جنود حفتر على المغادرة، حيث أخذوا يحولون البيوت إلى ثكنات عسكرية ويذبحون الماشية للطعام. توقف القتال من أجل السيطرة على طرابلس في الضواحي الجنوبية، واستمر على نفس المنوال حتى 5 يونيو 2020 عندما تخلّى حفتر أخيرًا عن محاولته وتقهقرت قواته نحو الجنوب.

عبد المعلا أبو عبيد الذي أصيب بسكتة دماغية عقب رؤية الدمار الذي لحق ببيوت عائلته وتجارتها في عين زارة. Kredit. . . تصوير جهاد نجا لصحيفة النيويورك تايمز
قذائف مدفعية عُثر عليها في المدينة. Kredit. . . تصوير جهاد نجا لصحيفة النيويورك تايمز

عندما عاد عمر وعبد المعلا إلى منازلهم، وجداها خرابًا. خلت تلك المساحة الشاسعة إلا من الأنقاض والجدران المتهدمة. اختفت أغلب أشجار النخيل التي زرعها عمر، والقلة القليلة المتبقية منها كانت إما ممزقة أو محروقة بفعل النيران. دُمّرت بيوتهما ومتاجرهما، وتناثرت أغلفة الرصاص في كل مكان، واكتست الجدران برسوم تمجّد حفتر والقذافي. وعجّت الحقول المجاورة بالألغام، فكانت سببًا في مقتل عدد من الأطفال العام الماضي.

غلب الحزن على عبد المعلا وهو يحدّق في الدمار الذي لحق بحياته حتى إنه أصيب بسكتة دماغية. سقط أرضًا، وحين استفاق وجد نفسه مصابًا بشلل في الجانب الأيمن من جسده. عندما التقيتُه في مايو، بعد عام تقريبًا، كان يجلس على كرسي متحرك خارج ما تبقى من منزله، مرتديًا بدلة رياضية داكنة وعاجزًا عن التحكم في ساقه المرتعشة. عندما حاول عبد المعلا، ببنيته النحيفة ووجهه الطويل الوسيم، أن يصف ما حدث يوم عودته، تسارعت أنفاسه وأجهش بالبكاء ولم يستطع الحديث. أبلغني أخوه عمر أنه ذهب بعبد المعلا إلى عيادة خاصة لكنهم طلبوا أموالًا لم تستطع الأسرة دفعها. وعندما ذهب به إلى مستشفى حكومي، أخبره الأطباء أنهم لا يستطيعون مساعدته.

سألتُ عبد المعلا إن كان بمقدور الليبيين أن يسامحوا بعضهم البعض على كل تلك الحروب الأهلية، هزّ رأسه بقوة.

قال عمر: “كيف أعفو عمن آذى أبي وأصاب أخي بالشلل ونهب ممتلكاتي؟ يأمرنا نبيُّنا بالعفو عند المقدرة، وأنا لا أقدر. ”

كان “الفسادأحد الهتافات التي سُمع دويّها في انتفاضات الربيع العربي عام 2011. فالظلم الاقتصادي الذي تجاوز الحد في الأنظمة الديكتاتورية، حيث تنعم قلة قليلة بالثراء الفاحش وتعيش غالبية الشعب في فقر مدقع، هو ما تسبب في انهيار هذه الأنظمة. لذا لم أكن أتوقع أن يتبنى سيف الإسلام نفس الخطاب أثناء حديثي معه. قال لي إن ليبيا أنفقت على مدار العقد الأخير مليارات الدولارات “دون بناء مشروع واحد، ودون وضع حجر بناء واحد”. وأضاف أن تلك الأموال ذهبت إلى المتربحين الذين “يمولون ويدعمون الميليشيات الصغيرة حتى يضمنوا استمرارية هذه اللعبة”.

قد يصبح ذلك شعارًا مُجديًا لحملة سيف الإسلام الانتخابية. فوفقًا لأحد استطلاعات الرأي، يأتي الفساد في مقدمة المشاكل التي يعاني منها الليبيون متقدمًا على الإرهاب والبطالة وفشل القيادة. اغتنى القادة العسكريون الجدد، الذين كانوا على الأغلب فقراء حتى عام 2011، بنفس الطريقة التي اغتنى بها معمر القذافي وعائلته؛ أي عن طريق نهب أموال النفط في البلاد. لكن على عكس عائلة القذافي الذين كانوا يوزعون عائدات النفط كما يحلو لهم، تحصل النخبة الجديدة على حصتها غالبًا عن طريق الاحتيال والاختلاس والتهريب. تتنوع الخطط وتتعدد، لكن نجاحها يظل مرهونًا بتخطي رجل متواضع يجلس وحيدًا في مكتب أنيق مكسوٍّ بألواح رخامية في طرابلس. إنه صادق الكبير، محافظ المصرف المركزي الليبي، الذي يصرف الرواتب لجميع الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا منذ اندلاعها. ربما يكون الكبير أكثر الأشخاص نفوذًا في ليبيا، رغم أن اسمه ليس معروفًا في الخارج.

صادق الكبير، محافظ المصرف المركزي الليبي، في مكتبه في طرابلس. Kredit. . . تصوير جهاد نجا لصحيفة النيويورك تايمز

تبدو شخصية صادق الكبير على النقيض من القذافي، ويمكن لسيف الإسلام أن يستخلص منه بعض الدروس. فبينما كانت عائلة القذافي منغمسة في مظاهر اللهو والترف – بملابس معمّر العسكرية الغريبة، وحراسته التي تتألف من النساء فقط، والنمور التي يربّيها سيف الإٍسلام – اختار الكبير حياةً بيروقراطية بسيطة. فهو يجلس أمام مكتب في نهاية غرفة أنيقة مزينة بفن زخرفي شيّدت في عهد الاستعمار الإيطالي قبل قرن من الزمان. غرفة المكتب شاسعة حتى إنني استغرقتُ عدة ثوان مربكة، لم يتوقف حذائي خلالها عن إصدار أصوات نقر على الأرضية الرخامية، إلى أن وصلتُ إليه وألقيتُ عليه التحية. والكبير رجل نحيل أصلع معقوف الأنف يبدو عليه التحفظ. كان يرتدي سترة بنية اللون بها بعض التجاعيد وربطة عنق زرقاء. بعد أن جلسنا، ألقى عليّ محاضرة قصيرة – بصوت هادئ لم يخلُ من الحزم – عن اقتصاد ليبيا.

يستمد الكبير نفوذه من سيطرة المصرف المركزي على عائدات النفط في ليبيا. إلى جانب ذلك، فهو يشرف على دفع رواتب الميليشيات الليبية، التي على الرغم من تناحرها وعدم احترامها للقانون، تتلقى رواتب من الدولة منذ عام 2011. أخبرني الكبير أن ليبيا الآن لديها أعلى نسبة من الموظفين الحكوميين على مستوى العالم، وهي مشكلة بدأت في عهد القذافي الذي دمّر القطاع الخاص ثم اشترى السلْم الاجتماعي بتوزيع عدد لا حصر له من الوظائف الحكومية التي يتقاضى كثير من شاغليها رواتبهم دون الذهاب إلى العمل. والآن تنفق الدولة أموالًا طائلة على الدعم الحكومي حتى إن سعر البنزين أقل من سعر المياه، وهو ما أدى إلى استمرار عمليات التهريب على نطاق واسع. استخدم الفرع الشرقي للمصرف المركزي في “بنغازي” دنانير ليبية مطبوعة في روسيا في بعض الأحيان، وهو ما علّق عليه الكبير قائلًا: “اتخذنا قرارًا بعدم قبول تلك الدنانير، لكن البنوك التجارية قبلتها لاحقًا”، وبنبرة يائسة قال إن منصبه “استثنائي قطعًا”.

أحد الألغاز الكبرى المحيطة بصادق الكبير هو كيفية احتفاظه بمنصبه طوال هذه الفترة، فلا توجد شخصية سياسية أخرى لم تتأثر بما يحدث منذ عام 2011. كوّن الكبير عداوات كثيرة، لكن في كل مرة كان شخص ما يتدخل لحمايته. يرى الليبيون أنه ما من لغز هنا؛ فقد لعب الكبير أوراقه بدهاء وقدّم خدماته للبعض تارةً وغض الطرف عن الآخرين تارةً أخرى. أضف إلى ذلك أنه يملك سلطة زيادة أو تقليص الفارق بين أسعار الصرف الرسمية في ليبيا وأسعار صرف السوق السوداء. وهذا الفارق يصل إلى مستويات هائلة في بعض الأحيان. وبإتاحة سعر الصرف الرسمي لأفراد بعينهم، يستطيع الكبير أن يجعل أثرياء ليبيا الجدد أكثر ثراءً. ووفقًا لمنظمة “جلوبال ويتنس” غير الحكومية في لندن، فقد أدار المصرف المركزي على الأرجح مخططات استيراد زائفة باستخدام خطابات اعتماد مزورة. أقرّ الكبير باختفاء أموال كثيرة في بعض الأحيان. وفي العام الماضي، وجّه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا اتهامًا لصادق الكبير بإهدار مليارات الدولارات من أموال النفط وصرفها على “القطط السمان”.

نقل الكبير أسرته إلى بريطانيا قبل سنوات، وبعدها نقلهم إلى تركيا التي ربما تكون ملاذًا أفضل لهم الآن في ظل دعوة البعض إلى محاسبته. لا شك أنه يتمتع بفطنة وذكاء حادّ.

عندما سألتُه عن اتهامات الاختلاس، قال إنه لم يرتكب أي مخالفة وإن المصرف اتخذ التدابير اللازمة لمكافحة غسيل الأموال والاحتيال. صحيحٌ أن مليارات الدولارات قد اختفت، لكن بالحديث عن المعاملات المزورة التي سهّلت تلك الجرائم، قال إن “مسئولية رئيس المصرف تقتصر على المستندات. ” وأضاف: “العاملون على الحدود لديهم سلطة التحقق من سلامتها”. لا يمكن لشخص واحد أن يتحمل المسئولية عن إخفاقات الدولة. انتهت المقابلة بعدها مباشرةً. ارتسمت على وجهه ابتسامة دمثة قبل أن يرافقني إلى خارج مكتبه الواسع ويودّعني.

خلال لقائنا، عاود سيف الإسلام الحديث مرارًا وتكرارًا عن غياب مفهوم الدولة في ليبيا منذ عام 2011. فعلى حد قوله، لم تكن الحكومات المختلفة التي حكمت البلاد منذ ذلك الحين سوى مجموعة من المسلّحين يرتدون البدلات. وأضاف: “ليس من مصلحتهم أن تكون لدينا حكومة قوية، ولذا فهم يخشون الانتخابات. إنهم يعارضون فكرة وجود رئيس ودولة وحكومة ذات شرعية مستمدة من الشعب”. النتيجة المنطقية واضحةٌ: يبدو أن سيف الإسلام يرى أنه الوحيد القادر على تمثيل الدولة التي تجمع تحت رايتها جميع الليبيين.

هذا الافتراض بتوارث الحكم ينم عن عجرفة بالغة، لا سيما وأن معمّر القذافي نفسه تفاخر بتجاوز فكرة الدولة عندما أطلق على ليبيا اسم “الجماهيرية”. وربما كانت أعمق جرائم القذافي أثرًا وديمومة هي تدميره للمؤسسات المدنية في الدولة. ففي عهده عاش الليبيون في حالة خوف دائم على حياتهم وممتلكاتهم بسبب قراراته العشوائية، ولم تكن لجانه الثورية سوى حفنة من المتعصبين الذين روّعوا عامة الشعب وامتلكوا صلاحية الزج بهم في السجن متى ما أرادوا. في عام 2011، سادت حالة من الخلط الدائم حول كلمة “ثوري”، لأن كلًا من المعارضين والموالين سمّوا أنفسهم ثوريين. والحقيقة أنهم انتهجوا نفس الأساليب في كثير من الأحيان. ويمكن القول إن ما حدث في ليبيا بعد عام 2011 لم يكن ثورة على القذافي بقدر ما كان استنساخًا لأساليبه على نطاق محلي. أخبرني غسّان سلامة، وهو دبلوماسي لبناني ومبعوث سابق للأمم المتحدة لدى ليبيا: “ليبيا لم تنقسم، بل انفجرت على نفسها”.

مركز احتجاز للمهاجرين أقامته ميليشيا عائلة الكاني فوق سجن سري في بلدة ترهونة. Kredit. . . تصوير جهاد نجا لصحيفة النيويورك تايمز

على مدار العام الماضي، استأثرت باهتمام الليبيين جريمة وحشية بدت وكأنها تجسّد جميع مساوئ عهد القذافي. وقعت هذه الجريمة في بلدة “ترهونة” الزراعية التي تبعد ساعة بالسيارة جنوب شرقي العاصمة. ففي شهر يونيو من هذا العام، وبعد أن طُردت الميليشيا الحاكمة – بقيادة مجموعة أشقاء من عائلة “الكاني” – من البلدة، عثر الأهالي على أشلاء بشرية بالقرب من بستان زيتون على أطراف البلدة. كشفت فرق التنقيب عن 120 جثة، وسرعان ما اكتُشفت مقابر جماعية أخرى حيث أبلغت أكثر من 350 أسرة عن ذويهم المفقودين. وكان من بين الضحايا نساء وأطفال؛ بعضهم أُطلق عليه الرصاص 16 مرة. وعندما تكشّفت تفاصيل هذه الجرائم، عادت إلى الأذهان فترة الرعب التي استمرت قرابة ثماني سنوات. لم يفعل أحدٌ شيئًا للتصدي لميليشيا “الكاني”، لأنهم وضعوا أنفسهم في خدمة النخبة السياسية في ليبيا عن طريق التحالف أولًا مع الزعماء السياسيين في طرابلس ولاحقًا مع حفتر، فتحولت “ترهونة” في عهدهم إلى دولة بوليسية تذكّر بعهد القذافي: ستة أشقاء يفرضون سطوتهم على كل شيء ويروّعون الناس، وكلّ ذلك باسم الثورة.

أحد أكثر الشهود الذين التقيتُهم تحريكًا للمش?

Ähnliche Artikel

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht.

Überprüfen Sie auch
Schließen
Schaltfläche "Zurück zum Anfang"